أولوية العمل في زمن الفتن – يوسف القرضاوي

DR- Yusuf Al-Qaradaweمن الأولويات المطلوبة: أن يكون العمل في أزمان الفتن والمحن والشدائد التي تحيق بالأمة، فالعمل الصالح هنا دليل القوة في الدين، والصلابة في اليقين، والثبات على الحق. كما أن الحاجة إلى صالح العمل في هذا الزمن أشد من الحاجة إليه في سائر الأزمان.

ففي الصحيح: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”.

وأكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”.

وقوله: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله”.

“أفضل الشهداء: الذين يقاتلون في الصف الأول، فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون (أي يتمرغون) في الغرف العلا من الجنة، يضحك إليهم ربك، فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه”.

ومن أجل هذا كان فضل الثابت على دينه، في أزمان الفتن، وأيام المحن، حتى جعل بعض الأحاديث المستمسك بدينه في أيام الصبر، له أجر خمسين من بعض الصحابة.

فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه في سننهم عن أبى أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني قال: قلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية: (عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعا). قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “ائتمروا بالمعروف، وانتهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله” رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، زاد أبو داود والترمذي: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: “بل أجر خمسين منكم”.

والخطاب في الحديث لا يشمل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ومن أهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وأمثالهم، فهؤلاء لا يطمع أحد بعدهم في بلوغ منزلتهم، ولكنه يستثير همم العاملين للإسلام اليوم في أجواء الفتن المتلاحقة، بما وعدهم الله على لسان رسوله من الأجر المضاعف: أجر خمسين في عصور النصر والازدهار.

وقد تحقق ما نبأ به الرسول الكريم، فأصبح العامل لدينه، الصابر عليه، كالقابض على الجمر، فهو يضطهد في الداخل، ويحارب من الخارج، وتجتمع كل قوى الكفر على عداوته والكيد له، وإن اختلفت فيما بينها، والله من ورائهم محيط، ويستجيب عملاء الحكام وضعفاؤهم لكيد الأعداء في ضرب العاملين للإسلام، وتضييق الخناق عليهم، والتنكيل بهم، وتشريدهم كل مشرد، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

وعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “عبادة في الهرج كهجرة إلي”.

“الهرج” هو: الاختلاف والفتن، وقد فسر في بعض الأحاديث بالقتل، لأن الفتن والاختلاف من أسبابه، فأقيم المسبب مقام السبب.

ـــــــــ

– من كتاب “في فقه الأولويات دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة” للعلامة القرضاوي.

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s